الصالحي الشامي

33

سبل الهدى والرشاد

ولما بلغ عتبة قول أبي جهل : " انتفخ والله سحره " ، قال : سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره : أنا أم هو ؟ . ثم التمس عتبة بضة ليدخلها في رأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسعة من عظم هامته ، فلما رأى ذلك اعتجر ببرد له على رأسه . وسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه ، فقال له إيماء بن رحضة : بئس الفأل هذا ؟ . وذكر محمد بن عمر الأسلمي والبلاذري وصاحب الامتاع : أن قريشا لما نزلت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إليهم ، يقول لهم : ارجعوا فإنه إن يلي هذا الامر مني غيركم أحب إلي من أن تلوه مني ، وأن إليه من غيركم أحب إلى من أن إليه منكم فقال حكيم بن حزام : قد عرض نصحا فاقبلوه ، فوالله لا تنتصرون عليه بعد ما عرض من النصح ، فقال أبو جهل : والله لا نرجع بعد أن مكننا الله منهم . قال ابن عائذ : وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : غر هؤلاء دينهم ، منهم أبو البختري بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام وذكر غيرهم لما تقالوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة ، فأنزل الله تعالى : * ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) * [ الأنفال 49 ] لا يغالب ، ينصر من يستحق النصر وإن كان ضعيفا ، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه ، أخبر تعالى أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة . وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر : خذوهم أخذا فاربطوهم في الحبال ولا تقتلوا منهم أحدا فنزل : * ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ) * [ القلم 17 ] يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة . ذكر ابتداء الحرب وتهييج القتال يوم بدر ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صف أصحابه قبل أن تنزل قريش ، وطلعت قريش ورسوله الله صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه ويعدلهم ، كأنما يقوم بهم القدح ومعه يومئذ قدح ، يشير إلى هذا : تقدم ، وإلى هذا : تأخر ، حتى استووا ، ودفع رايته إلى مصعب بن عمير ، فتقدم حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها ، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغرب ، وجعل الشمس خلفه ، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعدوة الشامية ، ونزلوا بالعدوة اليمانية ، فجاء رجل فقال : يا رسول الله : إني أرى أن نعار الوادي ، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى الوادي ، وإني أراها بعثت بنصرك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد صففت صفوفي ووضعت رايتي ، فلا أغير ذلك " ، ولما عدل